محمد سعيد رمضان البوطي

222

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

لا يعتبر دليلا تشريعيا ، فلسنا ندري ما الصلة بين ( الجزية ) وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان ؟ ! . فإن قلت : فهب أن المسلمين اضطروا - بسبب من أسباب الضعف - إلى الخروج عن بعض أموالهم ، حفظا على حياتهم وحذرا من أن تستأصل شأفة المسلمين ، أفليس لهم أن يفعلوا ذلك ؟ فالجواب أن هنالك حالات كثيرة تستلب فيها أموال المسلمين وتصبح غنائم لأعدائهم ، ويستعدي فيها الكافرون على بلاد الإسلام وخيراتهم فيتمكنون فيها ويسيطرون عليها . ومعلوم - بالبداهة - أن المسلمين لا يخضعون لشيء من ذلك عن طريق الاختيار واتباع الفتوى ، وإنما يلجؤون إلى ذلك إلجاء ويحملون عليه كرها ، وهم مع ذلك يتربصون بأعدائهم الفرص السانحة . وأنت خبير أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما يخاطب بها من لم يكن مكرها ولا ملجأ ولا صبيا أو مجنونا . وإذن فمن العبث انتزاع هذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف كيما يقرّر على أساسها حكم تكليفيّ يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوضة . خامسا : كيف وبأي وسيلة انتصر المسلمون وانهزم المشركون في هذه الغزوة ؟ لقد رأينا أن الوسيلة التي التجأ إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر ، هي نفسها التي التجأ إليها في الخندق . . إنها وسيلة التضرع إلى اللّه والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة ، بل لقد كان هو العمل المتكرر الدائم الذي ظل يفزع إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كلما لقي عدوا أو سار إلى جهاد ، وهي الوسيلة التي تعلو في تأثيرها على كل الأسباب والوسائل المادية الأخرى ، وهي الوسيلة التي لا تصلح حال المسلمين إلا إذا قامت على أساسها بعناية كاملة . أما كيف انهزم المشركون على كثرتهم ، بعد ثبات المؤمنين وصبرهم وصدق التجائهم إلى اللّه تعالى ، فقد وصف اللّه الكيفية في كتابه المبين إذ قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ، إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا إلى قوله تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ الأحزاب 33 / 9 - 25 ] . إن هذا المعنى الذي يتكرر في غزوات الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ليس يعني إغراء المسلمين بالمغامرة والجهاد دون استعداد ولا تأهب ، وإنما هو لإيضاح أن على المسلم أن يعلم أن في مقدمة أسباب النصر المختلفة ، صدق الالتجاء إلى اللّه وإخلاص العبودية له ، فلن تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر هذه الوسيلة بعينها . وإذا تحققت في أعمال المسلمين هذه الوسيلة فحدّث عن معجزات النصر ولا حرج .